عماد الدين الكاتب الأصبهاني
20
خريدة القصر وجريدة العصر
بعيدا عنه ؛ فبعض الشعراء قد سأل عنهم وهو في دمشق ؛ وبعضهم روى شعره عن طريق آخر في مصر ؛ وثالث حينما كان في الحج سنة 548 ه ؛ ورابع سمع شعره وهو بثغر الإسكندرية ؛ وخامس حينما كان مقيما بواسط ؛ وسادس حينما كان قاضيا في البصرة ؛ وسابع يوم كان يدرس في بغداد أيام مراهقته في رحلته الأولى ؛ وهكذا نجد أن العماد الأصفهاني لم تكن جميع مروياته نقلا عن مجاميع خطية مكتوبة ومصادر مدوّنة ، بل كان يعتمد أحيانا على ذاكرته وما حفظ من شعر في طفولته وأيام صباه ومراهقته ؛ إضافة إلى ذلك فقد كان هو يمارس كتابة الشعر ؛ وقد حفظ آلاف الأبيات الشعرية وقيل إنه كان يحفظ ديوان البحتري ودواوين أخرى . فليس غريبا أن تكون ذاكرته قد خزّنت هذا الكم الهائل من مجاميع الشعر ومحفوظاته . وغير هذا وذاك فقد كان يحفظ الشعر بالفارسية ثم يعرّبه لنا بالعربية سواء كان من الدوبيتات أو الرّباعيات ؛ وهي مسألة لا يستهان بها أمام مؤلف وكاتب في الدواوين له مسئولياته الوظيفية والرسمية ؛ إضافة إلى كونه مدرسا مارس مهنة التعليم وكانت لها مسؤوليات كبيرة جدا وتحتاج إلى تفرغ كامل ؛ ثم هو قد مارس القضاء في مرحلة من حياته . ومثل هذا الرجل استطاع خلال مرحلة طويلة من حياته القلقة وتنقله الدائم أن يجمع كلّ هذه المعلومات ليتفرغ في النهاية لتدوينها لتشمل ليس فقط شعراء بلاده ، بل جمعت شعراء العالم الإسلامي في ذلك الوقت من أقصى المشرق حتى المغرب والأندلس . على أية حال فقد تعرّض والد العماد إلى المضايقات والملاحقات وصودر بأصفهان كما يفهم من عبارة سبط ابن الجوزي « 1 » أي حبس أو حجز أو بقي تحت الإقامة الجبرية في منزلة ؛ كما نهبت دور العائلة وممتلكاتها وأصبحت البيوت خاوية . عاد العماد مرة أخرى إلى بغداد مع والده سنة احدى وخمسين وخمس مائة ؛ وفي هذه المرّة تعرّف إلى الوزير الأول في الخلافة العباسية ومدحه بقصائد كثيرة ؛ ويبدو أنّ اسم العائلة ما زال يحظى باحترام كبير عند بعض المسؤولين ببغداد ؛ فما كان من ابن هبيرة الّا أنّ أصدر له أمرا بتولي القضاء في البصرة ومن ثم بواسط ؛ وهما مدينتان لهما مركزية كبيرة : وكانت واسط تعجّ بالعلماء والأدباء والشعراء .
--> ( 1 ) مرآة الزمان 8 / 327 .